النشــأة العضوية الرؤسـاء الأعضـاء المنشورات آفــاق أنشطة بلاغــات مؤتمــرات
المنشـورات الإلكترونية مواقف معادية للاتحاد
عبد المجيد الهواس: الليالي البيضاء (قصص)

العتمــة

 

 

وقف خلف النافذة، وأحس برعشة الضوء على وجنتيه، ثم فتح دفتيها الزجاجيتين فلامسه النسيم. تنفس من عمق الصباح ومد يده إلى الخارج يلامس الشمس والهواء.

طرقت تلك اليد النحيفة باب الغرفة، ثم انفتحت دفته، رائحة القهوة تأتي دافئة.. نظرت إليه وابتسمت.. استدار ببطء وتقدم بخطوة يتلمس المقعد قرب الطاولة، بينما حطت قربه القدح وصبت له القهوة. همست بصوت دافئ:

- لقد بدأت تكتشف سر الحياة.. داعبت شعره برفق حتى صار طفلا رائعا وابتسم، رفع رأسه نحوها وسأل:

- كم مر من الوقت على مجيئي إلى هنا؟

- شهران ونصف. لقد أصبح مزاجك رائقا.. هل أضع لك السكر؟

- … لا. سأفعل ذلك بنفسي. وأمسك قطع السكر وبعض الارتجاف في يده. وضعها في القدح وحرك السكر بخجل، ثم رفع القدح إلى شفته يحضنه بين الكفين. كانت تقف وتنظر إليه؛ لحظة همت تسوي وضعية الأفرشة على السرير، ثم فاجأته بدندنة من صوتها الرقيق فارتجف في داخله النبض الميت واخضرت الشرايين.

تفتح له النافذة أصوات الخارج.. تتحول النافذة شاشته السحرية العميقة. تلج موسيقى العصافير صدره، فترسم الألوان في أسفل الشارع والضوء والأشجار.. لم يبصر الشارع من قبل بنفس الانبهار، تحرك نحو النافذة وقدح القهوة في يده.. وأطل برأسه كما لو كان ينظر في بئر عميقة. ثم تخلل صوته دندنتها:

- كيف حال الشوارع الآن؟

- صارت هادئة.

- والأخبار؟ … والجرائد..؟!

- كل شيء عاد إلى مجراه.

- والجثث..؟ والقتلى..؟!

- لقد توقفت دورة العنف، والأطفال بدأوا يلعبون في الحدائق. ثم ابتسم بارتياح واستدار نحوها:

- متى تنزعون العصابة عن عيني..؟

- قريبا .. بعض الاحتياطات واجبة.. يومان أو ثلاثة على الأكثر.

تنفس بعمق واستلقى في فراشة بارتياح. مررت يدها من جديد على شعره وابتسمت، ثم خرجت في هدوء تام، تاركة في صدره دندنتها الشجية.

كان إيقاع الحذاء يرن في صدره كل صباح. منذ أكثر من شهرين. مابين الصحو والإغماء يسمع تلك الطرقات الخافتة الحادة تصعد من أسفل الشارع إلى النافذة. يتردد صداها في الغرفة الصغيرة ويقتحمه.

كان رنين الحداء ينتشر في خلاياه المتعبة ويتسمر فيها الدبيب طيلة النهارات المظلمة. امرأة تمر أسفل البناية البيضاء. وحده هذا الصوت كان يحتل الشارع الطويل. لا خطوات كانت غبر خطواتها، منتظمة كانت. تصير عادية تلك الخطوات الصباحية التي تصعد إلى قلبه.

لم ينتبه متى وضعت العصابة على عينيه، أو كيف نقل إلى المستشفى. يتذكر فقط ذلك الاعتصام الطويل أمام البنايات المسيجة بالعساكر والبوليس. النداءات القوية، الصرخات العنيفة، الغضب الموتر كالقوس وأحلام الوطن المجهضة. حين سقطت الهراوة المدببة على وجهه، تلقف تجاعيده للتو وتلمس دمه وركض. انطفأ النظر، وكانت أقدامه ترتمي تفر منه تخترق الجدار المظلم الأحمر ترتعش العصافير تنتفض في خلاياه، يتشنج، تهم، تنطلق، ينزلق فيها الرصاص وينهار على وجهه.

الحذاء الذي راح يستيقظ على إيقاعه كان أول شارة للانتباه إلى الخارج من عالمه المظلم. كان الظلام في البدء مصحوبا بحالات الغثيان وهذيان الأرق وأورام الحلم المدمى، وكان إيقاع الحذاء عنيفا يرافق الكوابيس الساهرة في دمه. ثم صار الإيقاع صديقا ينتبه إليه يخبره بمحالات الهدوء والهيجان، بالهدنة والعنف- المرأة تركض فارة.. المرأة يتردد الخوف في خطواتها.. تلتفت إلى الخلف خشية المطاردة – يوما بعد يوم صارت الخطوات عادية وهادئة.. يتنفس في عمقه.. يهتف: «ها قد هدأت الأوضاع..!».

لم يكن ليتردد عليه أحد في غرفته، وحدها الممرضة كانت تدخل عليه، تحمل له الأكل أو تغير له العصابة وتضع الأدوية. لم يكن يرى شيئا ولم يكن منتبها إليها… يوما بعد يوم راح يعرف أن للغرفة نافذة، وأن أسفل النافذة شارع، وأن امرأة ما في الصباح الباكر تعبر الطريق حتى يسود الصمت. صارت تعده الآن بان تمر، فينتظرها ويبدد صوت حذائها عنه الملل ولعنة الظلام. ثم راح يتخيلها.. ندية الملامح، ساحرة النظر، خفيفة الحركة. فتاة طيبة تحمل حقيبة يد أو كراسات عمل.. ينتظرها، يرتج داخله الصوت.. تأخرت هذه المرة.. حدث لها شيء ما.. ربما كانت الأوضاع مضطربة فتسللت من مكان آخر أو… صارت العصابة تطارده. يود انتزاعها فتخور عزيمته. ثم يسأل الممرضة إن كانت الحالة ستطول؟ هل يمكنها أن تفتح النافذة وتطل إلى الخارج وتحدثه عن المرأة حين تمر أسفل الشارع؟! كيف شكلها؟ ما لون عينيها؟؟.. لكن الممرضة كانت تنظر قليلا عبر النافذة وتقول: «لا أحد في أسفل الشارع.. ربما مرت قبل الآن.. حين ستشفى سترى بعينيك…»

لكنه الآن وقف خلف النافدة، وأحس برعشة الضوء على وجنتيه. الهواء المنعش يتسلل عبر المسامات، والعصافير الصغيرة ترف.. تصدح.. يتراءى له الضوء البنفسجي عبر العصابة.. يسمع الخطوات المرتلة، يطل، تتوقف الخطوات أسفل الشارع… إنها ترفع رأسها إليه. يفرج لها عن ابتسامة صافية، يلوح لها بيده، يمدها في العمق، يداعب جلده النسيم العطر. تملأ صدره نعومة الأنوثة فيها، ثم تتحرك الخطوات من جديد، يهتف لها: «بعد غد أراك» ويظل ينظر إليها من عمق العصابة المظلمة، يرشف القهوة يتلذذ، ويرى الشوارع هادئة والأطفال يلعبون في الحدائق المخضرة بالحلم والفراشات.

يسامره وجهها.. يطول السهر الدافئ، تتعانق صباحات أخرى وتطرق اليد النحيفة باب الغرفة من جديد.. يرسم ابتسامة مسبقة ويقف. ينطلق صوتها خفيفا نم وراء ظلمته:

- تعالى معي

- ستنزعون العصابة عن عيني؟

- أجل.. وينفرج صمته وترف في داخله الكلمات:

- إنها ستمر بعد قليل .. ربما سألحق لأراها..!

وتمسكه الممرضة من يده وتحمله خارج الغرفة.

كان معبر الممر إلى غرفة الفحص قصيرا.. أجلسته الممرضة على كرسي وربتت على كتفه منحنية عليه وهامسة:

- سأذهب من أجلك إلى النافذة وأراقبها حين تمر. ابتسم بشافية الفرح الغامض في صدره، ثم شعر بيدي الطبيب تمسكان برأسه وترفعانه قليلا إلى أعلى.. كان ملمسهما خشنا تلك اليدين، وتساءل في صمت إن كانت فعلا، أم أن إحساسه بالخوف هو الذي أوحى له بذلك … لكنه هتف «الضوء.. الضوء..!» وكانت العصابة تنزاح ببطء وتتقلص معها مساحة الخوف والظلام. مرر الطبيب يده أمام وجهه. كان يرى تلك اليد التي تتحرك، وعبرها يظهر وجه الطبيب باهتا وبلا تعابير. أدار وجهه في الغرفة. كان كل شيء فيها يبدو واضحا. الأدوات الحديدية الملتمعة، وبعض الأواني المجلوة البياض. سرير الفحص بأحزمة متسخة وبعض بقع دم جافة أو تكاد تكون طرية. ثم وجه الطبيب من جديد. وقف وابتسم بتصنع، بيد أنه كان متلهفا على موعده مع امرأة انتظرها طويلا قبل هذه اللحظة. هم يخرج ففاجأه صوت الطيبب:

- إنهم ينتظرونك عند الباب…

- من ؟!! … وانتفض صدره وهو يضغط على مقبض الباب ويفتحه.. كان أمامه رجلان شديدا النظرات.. أمسكاه من الجانبين فبدت قبضتهما عنيفة وصلبة. انتفض وسطهما دون جدوى، فقد راحا يجرانه بعنف. وطق كعب حذائها في أذنه وسمع الخطوات من جديد.. التفت إلى الخلف فلاحت له في البعد ممرضة تقف صامتة. سألها قبل أن يدخلوه في ممر آخر.

نظرت إليه بصمت ثم جاء صوتها جافا:

- لقد مضت …

ثم قذف به الرجلان نحو أدراج تنزل نحو دهليز مظلم عميق.

 

موقع اتحاد كتاب المغرب

  Copyright © 2001 unecma. net