النشــأة العضوية الرؤسـاء الأعضـاء المنشورات آفــاق أنشطة بلاغــات مؤتمــرات
المنشـورات الإلكترونية مواقف معادية للاتحاد

 

:::: جمال بوطيب، زخة ويبتدئ الشتـاء، قصص، منشورات اتحاد كتاب المغرب، 2001، 77 ص.

يبتدئ الشتـاء

إذاعــات

هنا إذاعة " سميرة ": في برامج الليل.

تقول المذيعة:

- مرحبا بعمالنا في الخارج.

يرتد الصدى:

- لا مرحبا بعمالنا في الداخل.

تستطرد المذيعة:

- نترككم - عمالنا بالخارج - مع.....

يقاطعها التقني:

- " أما عمالنا بالداخل فقد تركناهم عند الترحيب "

تخفي المذيعة حنقها، وتعود:

- نترككم عمالنا في الخارج مع أغنية عن العشق والغربة و....

وهناك إذاعة القاهرة في وصلة غنائية مع المطرب الكبير.....

وهنا " سميرة " وهناك " القاهرة ":

القاهرة قاهرة وسميرة مقهورة.

وبين هنا وهناك خبر - في مجلة كثيرة الصور والابتسامات - لم

تذعه إذاعة سميرة ولاإذاعة القاهرة ولا إذاعة أهل سميرة.

يقول الخبر:

- " عزيزي بليغ:

هنيئا لك بالبراءة من التهمة التي نسبت إليك والمتمثلة في الزعم بتحريضك على الفساد في بيتك بين المغربية سميرة. م والسعودي س.س والتي انتحرت برمي نفسها من شرفة بيتك المصون و..... "

ويسأل طفل تعجبه الخرافة:

- وأين دفنت سميرة؟

- في القلوب يجيبه العاشق.

- وهل القلوب تحفر ويدفن فيها الأموات؟

- حين تكبر يا ولدي وتعشق سميرة. وتغادرك سميرتك شرقا أوغربا وتحترف أقدم مهنة في التاريخ مع أدنس رجل في الجغرافيا.

ستعرف ما معنى أن يكون القلب قبرا.

يخرس الطفل طويلا، ثم يشرع في فك قطع المذياع..

ذبــول

مد الوردة وابتسم.

قالت لها الوردة:

-لا تصديقه فهو كاذب.

أما هي فقبلته في خده وانتشى.

قالت له الوردة:

- لا تصدقها، ففي شفاهها بقايا من خده.

وضعت الوردة جانبا على السرير ومدت له يدها.اشتبكت

أيديهما.قبلها. ابتلع ريقها ضمها إليه.تأوها. خمدا. صار يتحدثان.

كانت يده تعبت بخصلات شعرها. ويدها تعبت بشعيرات صدره.

- أحبك. قالت له.

- ليس بحجم حبي. رد عليها.

- كانت موسيقى " خوليو " بفرنسيته الركيكة شاهدة عليهما. ولما انتبها وجدا الوردة ذبلت. قالت الوردة:

- أذبلني صدقي وكذبكما.

رصـاص

تساءل ياسر بعد أن بلغه نبأ وفاة أبيه برصاصة شرطي:

- كيف يمكن للرصاص أن يقتل؟؟

ردد السؤال ل أكثر من مرة في داخله. ثم فكر:

أخوه الأكبر يشتغل في شركة لسبك الرصاص ومع ذلك يعود كل مساء إلى المنزل سالما ومعافى.خالته الحاجة الذهبية عندما تزورها النسوة لتقرأ لهن الطالع أو تفسخ عنهن السحور تحضر قطعة رصاص. تصهرها فوق " الفاخر " ثم تدسها في طبق الحلفاء المليء بالدقيق لتخبو فيه. ومن خلال التشكل الجديد لقطعة الرصاص تخبرهن بالكائن وبالممكن وبالمحال.

قلم رصاصه الأبيض المزين بفراشات ملونة لم يحدث أن قتل ورقة أوفراشة.

أعياه التفكير ولم يهتد لسر الرصاص القاتل.

حين أطلق رصاصة على صديقه وهما يلعبان في " عاشوراء " ولم يمت صديقه، جاءه السر طائعا:

- لابد للرصاص من بندقية.

عــقــم

حالتها جعلتها تخبر الأولياء وتعرف تخصصاتهم، وحين دلوها على سيد العابد الوالي الصالح الرابض هناك في جبل " المحصر " فرحت كثيرا. حملت إليه الشموع وديكة حمراء وسوداء وقوالب سكر و.. و..

ترددت عليه مرات كثيرة. ربما يكون قادرا على أن يهبها " المولود "الذي طالما انتظرته. فقد هدها العقم، وتوجساتها من زواج ثان لزوجها وغضبه الدائم غير المبرر. في اخر مرة زارت سيد العابد لتبيت هناك كما نصحتها نسوة الدوار، فوجئت بمقدم الوالي يقول لها:

انوي خيرا يابنتي ف " سيد العاقر " بركاته لا حد لها.

بطون قال الطفل التغلبي، وهو يقلب الجريدة بحثا عن صور ملونة:

- نفروا من برصي.

قال الطفل العبسي، وهو يلمع حذاء رجل متهدل الكرش: عيروني بسواد لوني.

قال الطفل الأسدي، ويده الصغيرة تتسلق سطح السيارة الفخمة التي كان يغسلها: بالبخل نعتوني.

قال الطفل الحميري وهو يفتش في مقلب قمامة كبير: يقولون إن لا أب لي.

لما سيقوا الى المحكمة لعدم اكتراثهم بعيد الطفولة سألهم القاضي:

- لماذا تم القبض عليكم؟

رد الطفل العبسي:

- لأننا نكره الكبار.

ردد أصدقاؤه:

- لأننا نكره الكبار.

- وهذه السكاكين والسفافيد التي أمامي هل هي ملك لكم.

فكر التغلبي في تبرئة أصدقائه.

- هي لي وحدي.

قال الأسدي والحميري والعبسي بصوت واحد:

- لا، هي لنا جميعا.

التفت القاضي إلى يمينه، حدق في أقصى القاعة رفع صوته مهددا:

- ألا تعرفون أنها أسلحة؟؟

- نعرف.

- وأنها ممنوعة.؟

- لا نعرف.

- سأحبسكم.

بعدها لم يتكلموا. ظل القاضي يسألهم وهم لا يجيبون. نفذ صبره. ضرب بمطرقته على المنصة ضربات بحجم الغضب الذي لم يقوى على كتمه. قال:

- ليس لديكم كلام، أم تمتنعون؟

- سنتكلم حين تردون إلينا سكاكيننا وأسفدتنا.

خـردة

حين أحيل على المعا ش قرر أن يشرع في الصلاة ويبدأ رحلة جديدة بين داره والمسجد خمس مرات في اليوم. لكنه لم يستطيع ان يتخلى عن عادته القديمة في التجول في أسواق الخردة. كان يصلي العصر بعجلة، ثم يهرول إلى الجوطية. لم يستسغ الارتفاع في الأسعار الذي طال الأشياء المستعملة حتى صار ثمنها لاسعا.

عند بائع أ ثواب أثار انتباهه لباس غريب وغير مستهلك كثيرا: سال البائع:

- نسائي أم رجالي؟

- معا. رد البائع.

فاجأه الثمن الذي كان ارخص مما توقع ولما سأله عن اسم اللباس قال البائع:

- نخوة. اسمه نخوة.

طرحها أرضا لأنه يعرف كيف يرتديها وابتعد.كان البائع يلاحقه بصوته المبحوح:

- أؤكد لك يا سيدي أنها نخوة عربية.

شـعـور لم يعرف ما الذي فعله حتى نزلت على خده صفعة الشرطي البدين.تلتها ركلات وسب و... بعدها لم يعد يذكر شيئا.

على الأرض سقط. أغمي عليه. في المستشفى حين فتح عينيه بتثاقل تنهدت زوجته وهمست بصوت مسموع:

- الحمدلله.ثم سألته:

- بماذا تشعر؟

- بالوطنية.

أنا لها

لا يذكر أصدقاء الحجاج بن يوسف أنه شارك في مظاهرة طلابية في سنوات الكلية إلا إذا كانت متعلقة بمنحة الدراسة. ولم يزور الحي الجامعي مرة إلا لرؤية محبو بته البضة القديمة من جبل بعيد في الريف. أحبه أساتذته

لاجتهاده الذي لا يحد. استحقاقاته مشرفة دائما. أما رئيس الشعبة فقد كان راضيا عنه تماما لوقوفه جنبه في المسجد أثناء صلاة العصر.

لما تخرج حصل على منحة لمتابعة الدروس بفرنسا. درس العبرية هناك وفيها تخصص. تفوقه مثبت على شهادة الدكتوراه التي عاد بها من سنوات البرد وغسل الصحون إلى الوطن حالما بمنصب في الكلية. لكن أمله خاب

وطالت مدة عطالته وصار يدخن ويرتاد المقاهي وترك الصلاة و....

تقدم إلى مبارة عمداء الأمن ونجح فيها. وتخرج عميدا. كان يتلقى

الأوامر ويطبقها ويرقى وفي كل نائبة مستعصية يقول:

- أنا لها.

وكلما رن في مكتبه هاتف الوالي توقع أن يقول له:

- من للجامعة؟؟

لكن ذلك لم يحدث.

كـتـابـة

في الصحراء، وقرب مدخل خيمته، جلس نبيه يدخن سيجارة شقراء مهربة، وقد انتشرت السهام حوله. كان بعضها مكسرا وبعضها الآخر عليه آثار مراق حديثا. قال له الرجل النحيف العاري الصدر والأعزل والذي كان اسمه جميلا:

- نبيه، من أذن لك بالزواج من بثينة؟

- ومن أذن لك بالتشبيب بها بالرغم من زواجنا؟

رد نبيه وقد صار واقفا:

- أنا أولى منك بها. قال جميل بصوت متهدج.

- زواجك منها لن يكون غير ستر لعارها.

- هي تحبني يا نذل.

ثم إن نبيها هم بصفع جميل، إلا ان الثاني كان هزيلا فخشي الأول ان يقتله. بصق على الأرض ودخل خيمته.

ونظم جميل القصيدة تلو الأخرى في بثينة. ولم تبالي هي به بعد أن كانت تدبر له أمر زيارته لها خفية من زوجها. فارسل لحيته حتى صرته وباع النوق والغنم والسمن والخيمة وهاجر إلى أوروبا.

وفي حانة في " سيرجي بونطواز " بباريس، لاقاه عروة وقيس وهما

يتأبطان دواوين شعرية أصدروها على نفقتهما وكتبا على صفحة الغلاف

الداخلية:

- كل الحقوق محفوظة للمحبوبة.

سألاه عن حاله وسألهما عن الأهل والصحراء وعلى وجهيهما بدت له ملامح حزن فاضح.

قال قيس:

- ليلى، يا جميل، صارت لغيري.

قال كثير:

- اكتفيت بالصلاة حيث صلت عزة.

بقي جميل صامتا، مسح قيس دمعة مكابرة انفلتت منه. أخرج الديوان من سجن إبطه، مده لجميل:

- هذا ديواني الأخير وعليه ختمي.

- ختم بثينة في قلبي، يا قيس، وقلبها مناي.

تدخل كثير مسايرا:

- كم كتبت عنها من قصيدة؟

-...

- كم كتبت عنها من قصيدة يا جميل؟

رد جميل وذكرى لقائه مع نبيه في الصحراء ماثلة بين عينيه:

- تسع قنينات يا كثير.

أضـــاحـي

يوم وصل إبراهيم، البناء الماهر، إلى الورشة في إقامة " سوماكوترا "

هناك في " بييرفيت " سأله رئيس الورش:

- هل معك شهادة تثبت خبرتك في البناء؟

أشار إلى ساعده الأيسر قائلا:

- هذه شهادتي.

اقتنع رئيس الورش بجوابه المفحم وشغله.

يصبر إبراهيم على الجوع ويقهر شهواته وإلى أسرته يبعث بالحوالة تلو الأخرى.

انتهت الأشغال بالورش. تعطل إبراهيم. صبر على كل شيء إلا أضحية العيد لأبنائه في " البلاد ". ويوم العيد لم تغادره المرارة. وفي " البلاد " ضحت ابنته العذرة مع إسباني عجوز عشاها " بيتزا " وسلمها أوراقا مالية كثيرة وملونة. وضحت زوجته ببعض من أثاث البيت واشترت حملا قريبا من الأرض.

لــغــــو

قبل أن يرافق الصغير أباه إلى المسجد لصلاة الجمعة لأول مرة، علمه أبوه كل شيء: الوضوء والركوع والسجود و... أصر الابن على أن يستظهر أمام أبيه التشهد كاملا. لكن أباه ظل ينبهه إلى ضرورة ألا ينسى أمرين فقط هما: ركعتا التحية حرمة للمكان والصمت عندما يكون الإمام يخطب.

دخلا المسجد، صليا الركعتين. بدأ الإمام يخطب. تكلم عن الماء الكهرباء والهاتف والأنترنت و... و...

كان الصغير يعبث بقصب الحصير الذي يجلس عليه وبين فينة وأخرى يسأل أباه:

- متى سنعود إلى المنزل؟

لم يجبه الأب. كتم سخطه وصبر. لما خرج من المسجد شده من ياقة عباءته الصغيرة بعنف. هزه وقال له:

- ألم أقل لك لا تلغ عندما يكون الإمام يخطب؟؟

رد الصغير ببراءة:

- ولكن الإمام كان يلغو.

عـجـــزة

في دار العجزة، يقاسم مارك توين زهيرا بن أبي سلمى الغرفة الضيقة والمتسخة. يلعبان الورق. يعبئان شبكة الكلمات المسهمة. يتحدثان عن الإبداع وهمومه. شعارهما العجوز للعجوز نسيب.

كان زهيرا مكلفا بالسقاية والزجاجة بينهما تحتضر. فاجأه مارك قائلا:

- من غير شك ان الحياة كانت ستبدو اجمل وأروع لو كنا نولد في الثمانين ومع مرور الأعوام نقترب من سن الثامنة عشرة.

- ولماذا الثامنة عشرة؟

- لأن في هذا السن تصنع بنا أيدينا كل شيء جميل ورائع.

- ونموت عندما نبلغه؟

تساءل زهير باستغراب. فرد مارك وهو يحاول أن يكون عادلا في صب آخر جرعات تعطلت في الزجاجة:

- ليس في الكون ما يستحق البقاء بعد.

شرد زهير وعبثا حاول أن ينظم قصيدة.

بــريـــد

وجد الرسالة في صندوق بريده. على ظهرها مكتوب:

- المرسل هل تعرفه؟؟

لم يرهق ذهنه لتذكر الخط المرتبك الذي كتبت به العبارة. فمراسلوه معدودون وبريده شحيح حد الغياب.

همس لنفسه:

- عرفتك يا حبيبتي، لكن خطك من ثقفه.؟؟

هــاتــف

خرس هاتفه منذ غيابها، ولم يعد يسمع ذلك الرنين الذي كاد يصير جزءا من أشيائه الصغيرة المرتبة بلا ذوق ولا اكتراث.المرة الوحيدة التي رن فيها الهاتف. نط إليه. صعقه صوت موظفة البريد:

- يؤسفنا أن أبلغكم عزم وكالتنا على وقف اشتراككم حتى تسووا وضعيتكم الحسابية.

حضــانـــة

تجلد الصغير محمد وحاول ان يبدو رجلا. حمل الرضيعة سارة الباكية في كفيه الصغيرتين. في فمها وضع الرضاعة. سكتت. قبلها.

أحس بشيء ما يؤلمه في صدره. قرر:

-لا بد أن أتحمل.

نامت الرضيعة. وبجانبها استلقى محمد.كانت سناء تراقبهما معا. وهي ترفض أن يمشط شعر عروستها.

قالت لأيمن:

- بنتنا لابد أن تنام.

هز أيمن كتفيه الصغيرتين. قال:

- يجب أن نكبر عن هذا الشغب.

- أي شغب تعني؟

- شغب الصغار الذي يسمونه " عريس وعروس "

- لكننا لازلنا صغارا.

- أنت نعم، أما أنا فكبير.

أخرسها جوابه. حاولت ان تجنح به إلى حديث آخر قالت:

- ما أسعد ذلك العريس بعروسته.

وأشارت إلى محمد والرضيعة. ضايقه كلامها. فك من بين يديها

الدمية وألقى بها بعيدا وانصرف.

خلفهم جميعا تجلس امرأة ثكلى في سرها تقول:

- تعسا للآباء وللأمهات حين يقوون على فراق أكبادهم.

خـريطــة

أنجز التلميذ تمرين مادة الجغرافيا لوحده. لم يستعن بأحد. هولا يتقن شيئا اكثر من رسم خريطة الوطن، وقلب مخترق بسهم في الوسط.

على قفاه، نزلت ثقيلة يد معلم الجغرافيا. فزع التلميذ. سأله المعلم:

-ماذا طلبت منكم؟

- رسم الخريطة.

- وبدون أودية ولا أ نهار.؟؟

- نعم.

- لم رسمت إذا هذا النهر.؟؟

رد التلميذ وهو يمسح الدموع بظاهر كفه:

- ليس هذا نهرا، هذه مدينة تبكي.

 

موقع اتحاد كتاب المغرب

Copyright © 2001 unecma.net