النشــأة العضوية الرؤسـاء الأعضـاء المنشورات آفــاق أنشطة بلاغــات مؤتمــرات
المنشـورات الإلكترونية مواقف معادية للاتحاد
عبد العزيز الراشدي: طفولة ضفدع (قصص)

ما يفعله بنا الطباشيـر

 

قريبا سيكون الغبار أهوجا، عدوانيا ومندفعا. سوف تنفتح السماء على عالم الخراب. ستتقوض حاسة السمع ولا يتسع المجال سوى لصوت الريح.

قريبا سيكون لها العالم،لا يقاسمها فيه غير الصبر. ستأتي كعادتها ببطء، من بعيد،من الصحراء المترامية الحافلة بالرمل والحكايات سيأتي صوتها واضحا، لا تغدر ولا تأتي على غفلة من الأمر. معتزة بقوتها كجيش يقرع الطبول على بوابة مدينة...

أثناء ذلك،أو قبله بقليل سيكون عليه إنجاز مهماته:يجمع تحاضير الدروس بسرعة قصوى، يخبىء المحفظة، يضع الكرتون على النافدة المفتوحة على كل الاحتمالات، يرص دعامات الباب ببعض المقاعد، يتيقن أن كل لوازمه مخبأة بعناية، ويقصد الزاوية الأقصى من القسم، ثم كهارب من جحيم ، يستغشي ثيابه حذر الغبار.

ملتصقا بالركن يظل، ويبقى الأطفال في أمكنتهم غير عابئين لما يحصل، يتحدثون ويلعبون وقد اكتشفوا أنهم غير مراقبين.  يسمع صوتها في القسم تجول كما تشاء، تصافح الطاولات ووجوه التلاميذ المغبرة و تنزع السبورة للمرة الألف من مكانها، تبعثر الدفاتر والكتب، وتزأر في مملكة ليست لها،يسمع صوتها فيتماهى في أدنيه مع الصوت المعتاد لسمفونية عريقة كان يسمعها. بعد وقت تبدأ في الخفوت في الخارج والداخل، تكون قد رضيت تماما بذلك الانتصار، يسمع خفوتها التدريجي داخل ملابسه الملتفة حول رأسه، يملأ حيزها ببطء ضجيج الأطفال الذي يعلو وئيدا..

يأتيه صخبهم من لا مكان،بعد صمتها يبدأ في تمييزه. يتناثر بطيئا في الأرجاء: ضحكات تراود أذنيه مخلوطة بصيحات واحتجاجات وتوعدات صغيرة. ضجيج هلامي لا يُعبّر عن شيء. لا ملامح له. تختلط فيه الحروف فيكاد يغفو ،وبين الصحو والسهاد تتكاثف الصور داخل رأسه كحزمة من الغبار ويمر شريط يومياته في المدرسة مسرعا تجيئه كائنات المدرسة الكثيرة:

(المدير الذي يخاف من كل السيارات ظنا منه أنها الإدارة المركزية، التقارير المطولة التي يكتبها بخطه المُثْنى عليه ، والتي تتضمن عروضا ودروسا لم تنجز بناء على طلبه ، مواد المطعم المهترئة الذي يتم التصرف بها "تحت الدف"،صديقه الذي عُيِّن في قسم اكتشف أنه جامع للصلاة ومكان لوضع نعش الموتى، شركات القروض التي تلسع ظهره وظهر زملائه، كلامهم حول المفتش ورعب الجدد منهم، زيارة المفتش الأخيرة: حين دخل القسم دون أن يطرق الباب فدخل معه هواء صباحي لسع الوجوه و أيقظ النائمين... النقاش الصاخب مع "سيادته" حول الجدادات: المفتش يطلب تفصيلها وهو لا يستطيع تفصيل كل شئ كما برّر.  لايستطيع تفصيل كل ما يشغله: الحركات، الإيماءات، التصحيح، غضبه من العالم، فرحه بضحكة طفل أكل السكر أسنانه،هجوم البرد من ألواح النافدة المكسورة، أوجاع منتصف الشهر، هزيمة التلاميذ في كرة القدم، غثيان معلمة حامل ووحمها الغريب، سهولة إحداهن داخل قسم أو مطعم غير مستعمل، تسلط الدوار ومقدم الدوار، لغط الأطفال ،الإحساس بالصداع، اصطفاق الباب من الريح ، رغبة الطفل في أن يبول ، سذاجة واضعي الكتاب المدرسي وأخطائهم اللغوية، حنينه إلى المجلة ومعجون الأسنان، الذباب صيفا والصقيع شتاء، ضباب الوحدة... 

يتنبه قليلا كي لا يغفو فتراوده، دون سبب وجيه، النكات الكثيرة التي يحكيها الجميع عن المعلم،تقول إحداها أن معلما اتفق مع تلاميذه على الوقوف وراء المفتش كي يعطيهم إشارة الجواب حالما يضع المفتش السؤال،وحين كان الجواب عشرة، فرّق المعلم يديه معا من وراء المفتش مبرزا أصابعه العشرة فصاح تلميذ: "دلاحةُُ".. غاضبا ضرب المعلم يديه كفا بكف فصاح آخر:"مطبوعةُُ". يكركر ضاحكا حتى يهتز صدره، يخاف أن يراه التلاميذ فيعود إلى وقاره ويظل مستغشيا الثياب، ويتذكر قصة ذلك المعلم الذي كان يكسر الطاولات ويستدفئ بها من صقيع الجبل وذلك الذي بنى فرنا طينيا صغيرا وقف على أطلاله حين قرر الانتقال مرددا الحكمة المغربية"بْني وْعَلي أوسير أوخلي" وذلك الذي من سخطه وغضبه جعل الحاء خاء للتلاميذ والباء نونا ولم يكتشفوا أمره إلا بعد أن صنع أبجدية جديدة وذلك الذي....

تخفت الريح قليلا فيميل نحو الصحو وتراوده ضحكات الأطفال لكنها تشتد من جديد فيغطي رأسه ويستزيد من صوره:

( بنات الدوار المتحلقات حول البئر عند العتمة ،رغبته الأكيدة في شيء ما يكسر هذا السكون، شِعره حول الأرتوجراف ويديها المدبلجتين بكل اللغات- اللذين كان يضجر منهما والآن يحن إلى التفافهما حوله - بكائية أصدقائه على المانضا المثقوبة وسخريتهم من رسومه التي تضم أشباحا لنساء يظل يحلم بهن طوال الوقت،وقتهم الذي يقضونه في النميمة، اكتئابه لأنه يراهم يتراجعون إلى الخلف ولا يعبئون بأنفسهم فيخاف أن يصبح يوما نسيا منسيا،يخاف أن يصبح يوما هيكلا يعاني الهلوسة والخوف من المفتش والسكر وشركات القروض ،أحلامه بالمدينة والحمام والمقهى والجريدة. الملف المطلبي في النقابة: حين يتكلم الجميع ويصمت هو متمعنا ليس في كلام المناظلين ولكن في حركاتهم وفي انشغالهم كي يصبحوا يوما كائنات روائية،الأنف الطويل لكائن طباشيري لا يعرفه لكن يراه مواظبا على الحضور، يفكر في استثمار أنفه الديبورجراكي في مقالة يطالب فيها الدولة بزيادة في الأجرة لأن الأنف يكلف صاحبه لاشك مبالغ طائلة للصيانة، حين ينصت بانتباه لرجل آخر يدحرج عينيه كلما تكلم ويسب جميع الناس متوعدا بمعارك لا تأتي. يتخيله يدحرج عينيه طوال الليل ويسب التيارات السياسية على أشكالها، ويسب صاحب الأنف الذي لا يني يختلف معه حول القضايا... كان يرى وقت التأمل أن الخلاف بين صاحب الأنف وصاحب العينين ليس سياسيا بل حَاسَوِيَّا "نسبة للحاسة"...

حين يحس أن الريح انتهت تنقطع الصور، يراوده خاطر غريب:يحس روحه رخوة، تماما كاسفنجة مبللة، يخرج من مخبئه ولا يهتم لنفض الغبار لأنها ستعود بعد دقائق، يهتم أكثر لبعض الهواء خارجا، يعود أدراجه بعد أن يبصق ما علق بحلقه ويصيح في الجميع كمن سيبارز في مسلسل تاريخي:

-أنهيتم...؟

 

موقع اتحاد كتاب المغرب

  Copyright © 2001 unecma.net