النشــأة العضوية الرؤسـاء الأعضـاء المنشورات آفــاق أنشطة بلاغــات مؤتمــرات
المنشـورات الإلكترونية مواقف معادية للاتحاد
لطيفة باقـا: ما الذي نفعلـه؟

صهد النسـاء وصهد الرجـال

 

ليلة قائظة..

الرجال يلعبون الورق في المقهى.. والنساء يجتمعن أمام أبواب المنازل. كانت "أمي عفو" تحكي إحدى خرافتها للأطفال.. بعض النساء يحكين لبعضهن ما فعلنه خلال اليوم. في الخلف تجلس فتاتان متلاصقتان تتساران.. "أمي فاطمة" تشد إزارها حول رأسها وتعرج نحو بيتها..

فجأة تنتفض النساء لصرخة مدوية..

- إنها آتية من الطابق الأعلى.. إنها ابنتي!.

تدافعت النساء في السلالم وهن يركضن.. كانت.. المسكونة.. تقف وسط الحجرة تدق شظايا الأطباق والكؤوس بقدميها.. شاخصة ببصرها في الفراغ..

لكزت إحدى الفتاتين صديقتها وهمست مبتسمة:

- إنها تضع أحمر شفاه..

اجتمعت النساء في البهو يتناقشن في ملابسات الحادث وانتهين إلى أنها مسكونة بالمسلمين

- إنها للا مليكة.. حنا بالله والشرع.. حنا بالله والشرع.. أحرقت "أم المسكونة" بعض البخور...

أخذت بعض النسوة بعدن إلى أماكنهن ثم التحق بهن الباقي، وعادت "أمي عفو" تتم ما بدأته من حكي.. كان الأطفال يتحلقون حولها.. يلتقطون مما تنثره من خيالات..

وضعت "أم السكونة" رأس ابتنتها على ركبتها وأسندت ظهرها لجدار المنزل باحثة عن شيء من الرطوبة.

- الهواء بارد نوعا ما هنا.. هذا يناسبها.. ستستسلم للنون بعد قليل.. قالت الأم وهي تمسح بيدها على رأس ابنتها.. قالت الفتاة الأولى لصديقتها..

- أنا أيضا أملك أحمر شفاه.. أخفيه عن أمي.. لو علم أبي بذلك لقتلني.. مر أمامهما شبح.. عدلت الثانية التي تحجب شعر رأسها خلف منديل كبير أبيض، من جلستها.. ثم أخذت تداعب خصلة من شعرها تركتها تفلت من المنديل.. أخذتا تتابعان الشبح حتى توارى داخل منزل " عيادة الهجالة" بعد دقائق قليلة رأياه يخرج، ثم خرجت عيادة الهجالة ومعها " فاطمة بنت العسكري " في أعقابه، افترشتا "هيدورة" أمام المنزل وجلستا.

"وقف الأمير في شرفة قصره ومد بصره. كانت " عائشة بنت النجار " فوق سطح منزلها تسقي بنات "الحبق" بمغرف صغير من الفضة..

قال الأمير:

لله يا ساقية الحبق وترشه

 

الله عدي لي سحال من ورقة ف عرشه

ردت عليه عائشة:

نعد ليك الحجــر والشجـــر

 

نعد ليـك الحـوت فـي البحــر

نعد ليــك لأنثــى والذكــر

 

وما نعد ليكش حبق للاك بنت النجار

تفقدت "أم المسكونة" ابنتها التي كانت قد استسلمت لاغفاءة عميقة.. حملتها بمساعدة إحدى النساء إلى الداخل..

التفتت الفتاة الأولى إلى رفيقتها التي كانت تلتصق بها مريحة رأسها على كتفها أومأت برأسها إلى "المسكونة":

- بدأ كل شيء ذات صباح ممطر.. رفضت الذهاب للثانوية بعد ذلك أصبحت تمضي وقتها في كتابة الرسائل وإخفائها تحت السرير.. وفي فجر أحد الأيام الباردة.. قام السي الحاج أبوها للصلاة كعادته.. والصدفة رفع رأسه نحو "الحلقة" وسط السقف.. كانت المسكينة هناك على حافة السطح.. مقرفصة بثيابها الداخلية، شاخصة بعينها في بناية الثانوية..

- هل رآها أبوها وهي بثيابها الداخلية.. أعوذ بالله..

- تقول "أمي عفو" أن أمها سمعتها ذات صباح وهي مقرفصة على حافة السطح كعادتها.. تنادي بصوت خافت: "جيرار"

- يا لطيف.. إن جنها نصراني إذن وليس مسلما كما قالت النساء..

- جيرار هو اسم أستاذها للفيزياء.

"قال الأب لبناته:

- اسمعتي جيدا يا بناتي، ليس لكن من بعدي أقارب في هذه الدنيا.. فلا تفتحن بابكن لأحد. هذه سبعة زهور متفتحة، لكل واحدة منكن زهرة.. سأغيب في الحج سنة وعندما أعود سأتفقد زهور ركن.. ولم تفهم البنات سر الزهرة إلا عائشة. قالت عائشة لنفسها: " من أهملت منا زهرتها.. أهملت عرضها.. كن مطمئنا يا أبي ستعود وتجد زهرتي متفتحة كما تركتها " عيادة الهجالة تفرقع قطعة من العلك بين أضراسها وعلى حبات الخرز الصغيرة في منديل رأسها ينعكس ضوء مصباح الزقاق الذي عمل الرجال على إصلاحه للمرة الرابعة على التوالي: كان الأطفال الذين يتحلقون الآن حول "امي عفو" يجربون عليه جبابيدهم الجديدة.

" قالت العجوز لعائشة بنت النجار: " أنزلي وساعديني في حمل صندوقي إلى حجرتك.. اليوم دورك يا صغيرتي.. هيا ساعديني.. "

ردت عليها عائشة: " أنا لا أستطيع ذلك يا عمه.. سألقي لك بحبل ثبتيه على الصندوق. أنا أجر من أعلى وأنت تدفعين من أسفل..

عقدت العجوز الحبل حول الصندوق، شدت عائشة طرف الحبل.. جرت نحوها. أخذ الصندوق يرتفع.. حتى وصل نصف المسافة، هنا أوقعت عائشة الحبل من يدها.. فسقط الصندوق وتكسر..

خرج منه الأمير يركض باتجاه باب المنزل.. تبعته عائشة ولطمت خلفه الباب حتى مزقت قدمه اليسرى".

قالت عيادة لفاطمة بنت العسكري:

- غدا الخميس.. سيأتي العروبي وربما أحضر معه بعض الغلة. أسندت فاطمة بنت العسكري رأسها على الجدار وراحت تحلم.. حلمت فاطمة بزوج حنون ومنزل في الضاحية في الحي الجديد.. وأطفال جميلين.. رأت في الحلم أيضا فساتين بكل الألوان وحلي ذهبية على معصميها وحول عنقها ورأت نفسها جالسة تحت القبعة الكهربائية في صالون الحلاقة.. تتناول الحلاقة إحدى يديها وتقلم لها أظافرها ثم تزينها بطلاء أحمر لامع..

- انظري إنه سيدي عبد السلام ولد الشريف.. صادفته هذا الصباح في الكوميسارية.. نسبت أن أقول لك.. لقد أخبرني أنه سير علينا عند نزول الليل.. ادخلي.. إنه يقترب نحونا..

سقطت فاطمة بنت العسكري من مقعدها.. ولم يعد رأسها داخل القبعة الكهربائية الحارة.. اصطدم رأسها ببرودة الواقع.. انفض جسدها المكتنز.. نحو عيادة بعينين واسعتين..

- ماذا بك يا بنت العسكري؟ ادخلي وجهزي نفسك..

" تنكرت عائشة بنت النجار في ثياب "عطار" متجول واقتربت من باب القصر تعرض خدماتها الطبية.. أدخلها الخدم عند الأمير، طلبت أن يحضر الوزير أيضا لمساعدتها في علاج قدم الأمير المتعفنة.. أخرجت عائشة شرابا من حقيبتها وصبت منه كوبا للأمير ثم كوبا للوزير.. تخدر الرجالان.. فبادرت إلى حقيبتها وأخرجت مساحيق نسائية.. صبغت وجهيهما ثم خرجت وهي توصي الخدم بان لا يدخلوا على سيدهم إلا بعد ساعة لضرورات العلاج.. عندما استيقظ الأمير والوزير.. أخذ كل واحد منهما ينظر للآخر ويشير بأصبعه ويضحك.. قال الأمير:

- من صنع بك هذا يا وزير النحس؟

أجابه الوزير:

- اعذرني يا مولاي ولكنك تبدو كولية بكل هذه المساحيق على وجهك..

طأطأ الأمير مفكرا بعض الوقت ثم هتف فجأة:

- إنها عائشة.. إنها عائشة.. "

 

موقع اتحاد كتاب المغرب

  Copyright © 2001 unecma. net