النشــأة العضوية الرؤسـاء الأعضـاء المنشورات آفــاق أنشطة بلاغــات مؤتمــرات
المنشـورات الإلكترونية مواقف معادية للاتحاد
لطيفة باقـا: ما الذي نفعلـه؟

حـذاء بدون كعـب

 

 

الإثنين 24 / 12...

ركلت الهر الضخم. أخذت النساء أمام قاعة الأكل يضحكن. وصلت الممرضة.. فتحت الباب، دخلنا وعمت الجلبة. وضعت صحي فوق المائدة.. وذهبت إلى ركن الغرفة لأخذ كرسيا. لكزتني حلومة بمرفقه وهمست وهي تغمز بعينها أن الطلبة الأطباء قادمون. نظرت ناحية الباب الحديدي: كان هناك حشد منهم برفقة الدكتور "زهير" صرخت فينا الممرضة أن نأخذ أماكننا بسرعة. ابتسم لي الطالب الأشقر ذو الشارب الكث، ثم وضع يده على كتفي وسألني بالفرنسية عن حالتي الصحية. رأيت الدكالية في المائدة المجاورة تبتسم. ضغط الدكتور زهير على زر الشاشة الإشعاعية، احتشد حوله الطلبة وأخذ يشرح لهم الصورة التي كان قد وضعها على الشاشة. سمعت أحدهم يسأله إن كان لا يخشى على الحالة رقم "42". تذكرت "ميلودة". لم تكن بالقاعة. همست في أذن حلومة بجواري:

- أين هي ميلودة؟

- بسريرها.. لم تستطع أن تقوم للغذاء.

- وهل حملن لها الطعام؟

- لا أدري.

مرت قربي الممرضة فاطمة، أشرت لها أن تقترب مني.. ثم سألتها إن كانت قد حملت الطعام للمريضة رقم "42"... هزت رأسها بالإيجاب.

كانت الصورة الإشعاعية لرئتي ميلودة على شاشة الجهاز... كلنا نتناول طعام الغذاء.. عدس وسلطة طماطم وبصل مع قليل من الزيتون.. خمس حبات لكل مريضة. الدكتور "زهير" يختم حديثه عن حالة ميلوده بقوله إنها حالة عادية ويضيف بأنه ليس هناك أية حالة ميؤوس من علاجها في الجناح. غادروا قاعة الأكل قبلنا من زجاج الباب رأيت أمي حليمة تغادر الجناح خلفهم دافعة أمامها عربة الطعام.

أمام المغسلة أخبرتني "أمينة" أن ميلودة كانت تحلم ليلة أمس. وعندما سألتها ماذا تعني بذلك، قالت أنها كانت تصرخ وتئن خلال نومها.. سألتها إن كانت متأكدة من أنها كانت نائمة.. هزت رأسها بالنفي.

مسحت يدي على سروال بيجاميتي وتسللت قبل الأخريات خارج المغسلة لأزور ميلودة. كانت تسدل جفنيها على عينيها الواسعتين وتتأوه... سألتها عن حالها... هزت رأسها في محاولة لشكري وابتسمت. فكرت أنها جميلة.. تأملت شحوبها... وزرقة شفتيها وقمت إلى "صالتي" قبل أن تضبطني إحداهن خارج سريري.

كانت الصالة فارغة تقريبا من الزوار عندما وصلت جدتي. دائما بنظرتها التي يختلط فيها خوف قديم بدهشة طفولية، وكانت المعتاد تحمل القفة الزرقاء والجريدة تحت إبطها. أخذت منها الجريدة قبل أن أقبلها ثم أحمل عنها القفة. حيت جدتي نساء الصالة ثم جلست على حافة السرير تسألني عن صحتي وعن موعد خروجي.. كان جليا أنها أصبحت تضيق من عناء الزيارة ومحنة الحافلات اليومية.

لن تمكث معي طويلا. ليس هناك ما نقوله لبعضنا ولا أرغب في تكرار نفسي. ثم إنها لم تتضايق أبدا من انشغالي عنها بالجريدة. لم يكن يبدو عليها أنها تنتظر مني سلوكا بعينه ولم أكن أنتظر منه أكثر من القفة الزرقاء والجريدة... ونظرتها المحببة تلك... هكذا فكرت وأنا أتفحص العناوين في الجريدة.

نظرت إلى ساعة يدها الرجالية ثم جرت إليها القفة. أخرجت خبزة من الشعير وقنينة من الماء المعدني وعلبتين. فتحت إحداهما وأرتني سمكة مقلية ثم عادت فأغلقتها. على اليمين الدكالية تثني رجليها الطويلتين وتضمهما إلى صدرها الضامر... كانت تبتسم موسعة ما بين ركبتيها. وضعت جدتي السرير. ألقت بحقيبة يدها القديمة (متى رأيت هذه الحقيبة لأول مرة؟) داخل القفة ووقفت.. فهمت أن علي أن أرافقها حتى الباب الحديدي الذي يفصلنا عن جناح الرجال وحديقة المستشفى. قبلتني عند الباب وذهبت دون أن تلتفت.

وقفت أراقب أحد المرضى العجزة يحلق ذقنه على مرآة مكسرة بين فرعي شجرة أمام الجناح الرجالي.. ضبطني فابتسم، ثم بدا كأنه تحدث إلي.. لم أتبين جيدا ما الذي قاله.. ابتسمت ورفعت له يدي. خلف الأشجار رآني الحارس فصرخ في أن أدخل، سمعه الشيخ.. ضحك وأشار لي برأسه أن أمتثل للأمر...

نظرت للحارس، الذي أخذ يقترب، أخرجت له أصبعي الوسطى و... دخلت...

الأربعاء 26 – 12

حالة ميلودة تزداد سوءا.

حلومة تجلس تحت الشجرة الهرمة تحاول قراءة الجريدة... أتذكر أول مرة رأيتها فيها.. كانت تقف في الطابور أمام المطبخ، صحنها في يدها، تبدو غريبة الأطوار بين النساء بكعبها العالي.. بعد ذلك رأيت كيف كانت تدخل الحوارات مع بعض المريضات بعفوية تامة.. في ليلة نفس اليوم ضبطتها تدخن في المرحاض بعد أن نام الجميع. ضحكت بدون صوت ونظرت إلى سيجارتها ثم إلي فسألتني عن توقيت الاستيقاظ من النوم في هذه المستشفى..

حكت لي بعد ذلك – ونحن تحت الشجرة العجوزة ذات أحد – قصتها مع ابن خالتها …

- كانت المناسبة عرس إحدى القريبات وكنت بصحبة البنات ننقل الماء من البئر.. تأخرت عنهن قليلا كان هو هناك يراقبني منذ خرجت من خيمتنا طلب مني أن يحمل عني القلة وهناك بين الأشجار في الطريق الخالية … كسر "قلتي".. حضرت بعد ذلك خالتي والعائلة وكانت أمي وأخواتي البنات يبكين. أكبر إخوتي هو جندي في الصحراء توعدني بالقتل.. كنت مرهقة وأريد أن أختفي من أمامهم جميعا. لم تكن البكارة تعني لي شيئا بعينه.. لم يهمني شيء أبدا.. كنت أرفضه زوجا.. شيء واحد كان أكيدا... كنت أحتقره..

تقول حلومة أن ذلك كان منعطف حياتها الرئيسي. أخذت تاكسي حملها إلى الرباط.

تضحك حلومة.. تضحك ملء مرارتها وهي تحكي..

- أتدري عندما أردت أخذ بطاقتي الوطنية سألني الموظف عن مهنتي فأجبته:

"قحبة"

أراها ترمي القط الضخم بحجر.. ولا تصيبه.

أخبرتني وأنا أرتشف معها الشاي فوق سريرها أنها حاولت الانتحار أكثر من مرة. في إحدى تلك المحاولات كانت ثملة وفي قمة اليأس لبست جلبابها وخرجت جهة السانيات ومعها قارورة من دواء البرغوت، أنقذها سكيران كانا هناك يشربان.

المساء...

" أكثر النساء حقيقة وعفوية عاهرات " كتبت خلف الصورة التي أهدتني إياها حلومة هذا الصباح والتي تمثلها وهي باللباس الزموري الجميل.

الدكالية مستلقية الآن على صدرها تقضم تفاحة كبيرة. راق لي منظر ساقيها الطويلتين وهما تتأرجحان في الهواء وسط سروال البيجاما، فكرت أن هؤلاء النساء لم يسبق لهن أبدا أن ارتدين سراويل طويلة: هن الآن مضطرات لا غير.

بعض النساء نائمات والبعض الآخر يحملق في الفراغ.. من خلال زجاج الباب رأيت الممرضة نوال التي يفسر جسدها الصغير كطفلة غرورها واعتدادها المضحك، كانت تعنف حلومة الزمورية. في ذلك الصباح البعيد وجدتها تصنفين مباشرة ضمن اليسار المتطرف " المريضة رقم 36 فوضوية " فتقف عند رأسي الطبيبة ذات الشعر الأحمر الطويل، كجنيات الأساطير المرعبة، تتعجب لعدم "وقوفي" إلى جانبهم لإرساء النظام داخل الجناح مع أنني "قارية وواعية".

األتفت حولي، فكرت أن أقف في الوسط وأخطب فيهن بخصوص ما حدث داخل هذا الجناح.. عن المرحاض الذي يفتح ويغلق حسب توقيت محدد.. وحظر التجول في حديقة المستشفى. عن الأسمال الإجبارية التي يسمونها بيجامات.. والدوش.. الدوش الذي ألقوه فوق رؤوسنا حارا... أردت أن أدعوهن "للتمرد على الوضع".. ظللن صامتات يحملقن في الفراغ أمامهن. الساعة في معصمي تشير إلى الرابعة. تأملت وجوههن المنطفئة واحدة ثم انقلبت بجسدي الواهن وانسحبت بعيدا بتفكيري أراقب بعض الطيور التي كانت تحط على الشجرة الهرمة أمام الصالة. أخذت أعدها. أربعة.. بل خمسة طار واحد وحط بجانب الآخرين... في هذه الفترة من الظهيرة من توقيت المستشفى يظل الكل شاردا محملقا في الفراغ...

حتى الطيور. لم يعد الآن على الشجرة سوى طائرين صغيري الحجم إذا ما قورنا بالطيور الأخرى التي كانت تحلق الآن في السماء... سماء المستشفى...

ساعة القيلولة! حين يستعصي علي النوم عادة. الدكالية تعد أيامها التي مرت وأيامها التي مرت وأيامها التي ستأتي بهذا الجناح.. وتستعمل أصابعها في ذلك.. ساقاها ما زالتا تتأرجحان في الهواء... توقف المنظر عن أن يسليني. زلت قدم الهر الضخم فرقع في برميل القمامة.. هناك كائنات هامشية تقتات على حساب بؤسنا... صعد الهر ببقايا كعكة في فمه.. عيناه صفراوان. رأى بعض القطط الصغيرة قادمة من جهة المطبخ.. لم يعرها انتباها، من جهتها لم يصدر عنها أي سلوك بإمكانه إزعاج الهر الكبير... حاول أحدها تسلق البرميل.. ظل الآخرون في الأسفل يبحثان في الفضلات... لماذا لم أستطع أبدا أن أحب القطط؟..

في الجريدة قصيدة مترجمة لشاعر لا أعرفه، الشاعر تحدث عن شجرة تتضخم عند المساء وعن مصابيح تلمع ليلا بين أوراق الشجر. تذكرت الضوء الذي ظل يزعجني ليلا ولا أعرف مصدره. ذلك الضوء الذي يقتحمني من وراء النخلة العملاقة التي تبدو سوداء عظيمة خلال الليل من مربع زجاج الباب في "الصالة" أخبرت الدكالية بذلك فقالت إن المريضة التي كانت قبلي في هذا السرير كانت تشكو أيضا من نفس الشيء.

- إنها سجن – ليست للعلاج أبدا! " كانت الدكالية تردد وتلعن زوجها الذي أدخلها إليها.. وكنت أفكر بالخارج.

عندما يأتي الليل يستخرج النساء "طشتات" الغسيل البلاستيكية الصغيرة من تحب الأسرة لتحيين حفلة المساء. أحيانا كانت "مي غنو" الحارسة الليلية تقبل بجثتها الثقيلة فتعنفا لنا ثم تطفئ النور وتغلق الأبواب... وتنسحب كما حضرت بخطوات بطيئة تئن فيها "بلغتها" تحت وطأة جسدها الضخم الهرم.

ذات ليلة وبعد أن ذهبت "مي غنو" وعم السكوت في الجناح بأكمله أنير المصباح فجأة وانطلقت ضحكة هستيرية مدوية ثم تتالت الضحكات والصياح وكلمات متداخلة من نوع "ويلي" و "حشومة". كانت النساء يضحكن ويخفين رؤوسهن وأمامهن كانت "فاطنة الزايانية" تنزع سروالها وترقص متنقلة بين الأسرة.

في الصباح رأيت فاطنة الزايانية مقرفصة فوق فراشها تكحل عينيها كعادتها كلما اقترب موعد قدوم الزوار.

مدت إحداهن رأسا نحوي وأخبرتني أن فاطنة كانت تعمل "بارميت" في صباها وأنها شيخة متقاعدة كما أنها عملت في المنازل والفرمات إلى أن استقر بها المآل بالمستشفى.

- إنها طيبة.. وزهوانية مع رأسها! ضحكت المرأة وأشارت إلى الزايانية التي كانت تمشك بعض الشعيرات المتبقية على هامتها. عرفتها عندما جاءتني، في ذلك المساء البعيد، بورقة وطلبت مني أن أكتب لها رسالة... وحين حمل لها الدكتور زهير خبر خروجها وضعت الزايانية على خزانتي باقة الزهور التي كانت على خزانتها وقالت لي "الزهور كتفاجي شويا على الخاطر". لحظة المغادرة بكت وقبلتنا جميعا بعد أن اقترضت مني ألف فرنك ومن الدكالية جلبابها وقفتها على أساس إرجاع كل ما استعارته خلال يوم أو يومين على الأكثر... ثم تقدمت بخفة نحو الباب الحديدي الذي كان قد فتح لأجلها، لم تستطع أن تخفي سعادتها... أبدا لم تكن الزايانية أكثر جمالا وأناقة من تلك اللحظة... التفتت إلينا بنظرة أخيرة. رفعت يدها ثم غادرت الجناح.. ولم تعد. سألتني الدكالية:

- لمن أرسلت فاطنة الزايانية الرسالة؟

- لا أعرف … لأحد أقاربها فيما أعتقد.

لم يبد أن جوابي أنه أشبع فضولها: نظرت إلي باستنكار، ثم أضافت أنها لم تكن تحب تلك "القحبة الشارفة" وعموما هي لا تحب الزايانيات ولا الزموريات ونعتتهن "بشلوح الخنز".

الخميس 27 – 12...

أمشي منحنية الظهر منذ يومين. أمي الطاهرة، المريضة التي تنام أمامي، تدلك لي صدري وظهري ليلا بالزيت وتحزم حولي الخرق لأتدفأ، بعد ذلك تلفني جيدا بالأغطية قبل أن تذهب إلى سريرها. الدكالية تضحك وتلقبني ب "منانة" لأن منانة كانت أيضا لا تستطيع أن تستوي واقفة.

في هذا الصباح زارني أبي. كنت أصارع حمتي وكان هو يضع يده على جبينه وينظر إلي من الأسفل... أخبروه أنني محمومة منذ ليلة البارحة وأن الحمى كادت تقضي علي عند منتصف الليل. نمت قبل انتهاء الزيارة.. كنت أشعر بنظرات أبي تسقط حنونة علي. راق لي أن أترك المشهد هكذا و... أنام.

آخذ قرصا مهدئا.

الدكالية تضع الفوطة على وجهها وتبكي بصمت. كسرت قطعة شوكولاطا وناولتها إياها. أخذت أراقبها وهي تضعها داخل قطعة من الخبز وتأكلها..

الساعة تشير إلى الرابعة بعد الزوال. الطبيبة ذات الشعر الأحمر تمنع أب ميلودة من الدخول وتحيله إلى الإدارة.. أب ميلودة العجوز يصر.. تدفعه الطبيبة وتنادي على الممرضة.. ثم تطلب منها أن تطرد " هاذ العروبي الموسخ" الممرضة تستعين بالحارس.. الحارس يضبطني أراقبه خلف زجاج الباب.. يهمس للممرضة بأمرها.. ينظران معا إلي ثم يسوقان أب ميلودة خارج الجناح...

في الجريدة إعلان عن أمسية شعرية سيحييها الشاعر ليلة رأس السنة. لو أنط من الجدار ليلا! تنفجر في رأسي ضحكة قوية.. سيكون ذلك مثيرا خاصة إذا استقريت جثة أسفل الجدار واكتشفوني في الصباح.. صباح السنة الجديدة..

الجمعة 28 – 12...

حدثت أمينة وحلومة عن فكرة القفز من الجدار. حلومة وجدت أن الفكرة جيدة وأمينة علقت بأنها إن تسللت إلى الخارج في ليلة ما فلن يكون من أجل أمسية شعرية..

- هناك أمور أكثر شاعرية في الخارج.

ثم دخلت في حوار مع باقي النساء. حلومة قالت إنها تعرف شاعرا في بلدهم يطلق عليه ناس الدوار حمزة لهبيل لأنه لا يتوقف عن الغناء... ثم أضافت أنها كانت تشفق عليه وتناوله بعض الخبز و "الشريحة" من حين لآخر. عربة مي حليمة تمزق صمت الجناح. وقت العشاء: الخامسة والنصف. رأيت الدكالية تقفز من سريرها وتحمل طبقها وتخرج. تبعتها باقي النساء... لو فقط أستطيع الآن أن "أخترق" الباب الحديدي... في هذه اللحظة بالذات.. لكن الجسد كسمكات "بريفير" ينكمش الآن داخل البيجاما، داخل فراش بارد في "صالة" عديمة التدفئة في جناح الجنس الثاني المحاط بسور عال يفصله عن جناح الجنس الأول في مستشفى بضواحي المدينة... ماذا يحدث الآن بالمدينة؟

خرجت جميع النساء يستقر نظري على النافذة المغلقة يقول Brel إنه يفضل أن يعتقد أن نافذة مغلقة تبيح للعشاق أن يحبوا بعضهم بشكل أفضل..

قالت الدكالية أن النافذة تطل على الخارج، وأنها أغلقت منذ ذلك الحادث المشؤوم.

الزايانية وحدها كانت تعرف كيف تحكي قصة النافذة، تقول إنه حادث طبيعي.. رجل "ينط" إلى صاحبته المريضة، يضيء الشموع في جسدها المنطفئ...

ومنذ ذلك الزمن أغلقت هذه النافذة... كي تعيش النساء وحدهن بشكل أفضل...

أمينة أسرت إلي ذات مساء أن صاحبها "الوحش" طلب منها أن تحاول فتح النافذة..

كان صديقها الضخم يجلب لها "الصوصيت" والفواكه ولا يغادر الجناح إلا بتدخل من الحارسة. في إحدى زياراته رأيتها تضع يدها بين فخذيه وتضحك.. ثم رأيته ينزع يدها ويهب واقفا، وبخلاف كل المرات أنهى زيارته قبل الأوان.

عندما خرج قفزت إلى فراشي وعانقتني ثم همست "أرغبه". ثم أضافت "إنه عن". في أحد تلك المرات التي جاءت فيها لتستمع معي للراديو قالت لي إنه يحبها لكنه لا يستطيع أن يسعدها أبدا... هو يقسم لها أنه لولاه لكانت قد أصبحت عاهرة "من زمان"... "إنه على حق" تقول أمينة وتضحك.. حكت لي كيف كانت تتجرد من ملابسها كاملة وتسدل شعرها الأشقر الناعم على وجهها ونهديها وتجلس قبالته... كان يناولها كؤوس "البيرة" واحدا تلو الآخر.. وهي تنتظر... ترفع رأسها نحوه، الدفء يسري في مسامها... تشعر أنها أمام برميل من البيرة ينبغي أن تتجرعه إلى آخره لتكتشف ما بقعره... لكنها قبل أن تتم البيرة العشرين تكون قد سقطت.. وفي الصباح تكتشف أنها مرة أخرى لم تستطع أن تصل إلى قعر البرميل...

تقول أمينة أنه كان يقدم لها الهدايا دائما ويعدها بالزواج وأنها كانت تحب البيرة ولم يكن أحد غيره يملك أن يطفئ عطشها...

أخذت أضحك... كانت تتكلم بجدية مضحكة... "أرغبه"... انفجرت بالضحك ثانية... نظرت إلى مستنكرة... ثم سمعتها تقول:

- لا.. ليس كما تظنين... إنه ليس شاذا... لكنها ظاهرة شبه عامة بين هذا النوع من الرجال... هكذا أسمع الناس يقولون.

السبت 29 – 12...

سألتها إن كانت تحتفظ بلباس خارجي... أجابت أنها تخفي فستانها وحذائها في كيس بلاستيكي تحت السرير فسألتها إن كانت تتحدث عن حذائها ذي الكعب، قالت إنه ليس عاليا جدا وأنها تستطيع أن تركض به...

- أنت يا حلومة في حاجة إلى حذاء بدون كعب، أحذية الكعب هذه صنعت للتتمايل الأرداف الثقيلة.. نحن سنقفز الجدار...

الأحد 30- 12...

في منتصف الليل مات ميلود.

الإثنين 31 – 12...

كان الاتفاق أن نتسلل من أسرتنا بعد أن تنام النساء ونطمئن إلى نوم ي غنو... هناك حفر كثيرة في الجدار

وحلومة قوية... رغم المرض.. ستقفز أولا ثم تمد لي يدها...

بالنسبة للحراس وممرضي الحراسة أفترض أن لا يكون هناك أحد... فالليلة ليلة رأس السنة ومن العبث أن يهدي المرء ليلة مثلها للحكومة...

قالت أمينة لحلومة: " أنت تحنين للدعارة... هذا كل ما في الأمر... "

الساعة في يدي تشير إلى الثامنة والربع... الأمسية الشعرية ستبدأ في التاسعة... أمي غنو قامت بدوريتها الليلة المعتادة ثم انسحبت بخطى ثقيلة إلى مخدعها... أخذ يتناهى إلى سمعي شخير الدكالية.. أعلم أن العجوز "مي يامنة" في الركن لا تنام.. لكنها لا تهتم لأمور "النائمات" في الغالب.

أخرجت برفق حذائي وسروالي من تحت الوسادة.. ثم تسللت خارجا.. رأيت شبح حلومة أمام "صالتها" ترتدي حذاء أمينة.. تقدمت حلومة بهدوء وحذر من الجدار...

رفعت الكرسي القديم الذي تجلس عليه عادة مي غنو وصعدت فوقه ثم تسلقت الجدار.. سمعتها تقفز من أعلى... وقفت فوق الكرسي، قبضت جيدا بالحاشية.. نجحت في حملي إلى أعلى... حلومة في الأسفل.. تشير لي أن أقفز بسرعة.. بدت المسافة خيالية.. مستحيلة... أغمضت عيني... "إلى الحياة قدما"... وقفزت...

لم يكن هنا حراس … تماما كما خمنا... تسلقنا الباب الخارجي... هذه المرة لم أجد صعوبة... قفرت حلومة من بعدي... وانطلقنا... خارج المستشفى...

 

 

موقع اتحاد كتاب المغرب

  Copyright © 2001 unecma. net